Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

Vues et vécus en Algérie et ailleurs. Forum où au cours des jours et du temps j'essaierai de donner quelque chose de moi en quelques mots qui, j'espère, seront modestes, justes et élégants dans la mesure du possible. Bienvenue donc à qui accède à cet espace et bienvenue à ses commentaires. Abdelmalek SMARI

رجل للزّواج -3

 

عاد لونيس ليفكّر في والدته. "إنّي لأفتقدها كثيرا ! لحسن الحظّ هناك نساء أخريات..." عبس وتظلّم وجهه كأنّه أحسّ باضطراب شعوره ثمّ ما لبث أن تجاوزه : "لكن ، اللّعنة ، كلهنّ مخطوبات أو متزوّجات. "

لا توجد واحدة منهنّ تريده طبعا : ذلك أنّه مبتذل وجِدّ مُمِلّ. ثمّ إنّه أكبر سنّا عن مثل هذا التّصرّف الصّبيانيّ. لكن مشكلته أنّه لا يدرك حالته رغم أنّه لم يُعدَمْ من المارّة والفتيات ممّن يذكّره بحقيقة أمره.

غير أنّ هذا الصّفاء الّذي يبدو أنّه كان يكسو حياته لم يستمرّ أكثر من بضعة أيّام. ذلك انّه استنفد ماله ولم يعد لديه حتّى مبلغ التّذكيرة لاقتناء الحافلة والذّهاب إلى المدينة ؛ ليس لأنّه لم تكن هناك نساء وفتيات جميلات في حامّة بوزيان ، بل لسبب بسيط وهو أنّ النّساء هناك أكثر حراسة وحماية من شقيقته. ثمّ إنّ الجميع يعرف الجميع ، والويل إذا  تجرّأ شخص ما على الاقتراب من إحداهنّ أو التّحدّث إليها.

ذات ليلة رأى في  المنام رجلا يطارد خنزيرا عجوزا. كان الرّجل يبدو رخوا بعض الشّيء تجاه ذلك الصّيد.  في لحظة معيّنة توقّف الخنزيرعن الجري وبقي كما لو كان معلّقا في الفراغ. لم يفعل الرّجل شيئا للقبض عليه.  "جبان" صرخ لونيس وقرّر التّدخّل. لقد كانت معركة "جسدا بجسد" تدور في الهاوية.  وهو – أي لونيس - إذ يأخذ مكان الرّجل سمع الحلّوف يقول : "أنا أريد الانتحار أمّا أنت ، يا أبله ، فستموت مُكرَهًا من دون أن ترغب في ذلك ".

استيقظ لونيس على عطش وبعض العرق يبلّ رقبته وصدره والإزار ملتوٍ حول عنقه. كان الوقت صيفا وكان هو ينام في الفناء ، وإذن سرعان ما تبدأ الشّمس تضرب في تلك الزّاوية.

كانت كلمات الخنزير تتبادر إلى ذهنه بينما كان ينتظر أخته وهي تحضّر وجبة الإفطار له. عاد بخياله إلى الحلم. "حلّوف ؟ كم هو مضحك ! ماذا يريد منّي ومن حياتي ؟ عراك مع خنزير؟ ولماذا، ألا يكفينا الصّراع  لا أقول من أجل الحياة ولكن من أجل البقاء ؟"

لم يخطر بباله أنّه أصبح هو نفسه خنزيرا ، وأنّه جعل من حياته حياة تافهة ، حياة حلّوفة كما يقال في الحامّة ، حياة لا حياء يحلّيها ولا دين.

رأى الحليب يفيض فنادى أخته.

غضبت هي ، "لم تستطع إطفاء النّار ، أنت ؟ ألست أنت اللّي رَايَحْ تشربه ؟!"

"كوني حذرة ، أراكِ أصبحتِ عدوانيّة ..."

"أنا لست خادمك. افْطِنْ لنفسك. أنت لم تعُدْ طفلا. ابحث عن وظيفة وزوجة إذا كنت تريد أن تُخدمَ كما يُخدَمُ الباشوات."

"باقية ؟" ردّ مهدّدا "اغلقي ذاك المصرف الصّحّيّ".

لم ترغب الأخت في استفزازه أكثر من ذلك ، فلم تردّ على شتمه أيّاها : اكتفت بوضع الغلّاي على الطّاولة وانسحبت بنفسها تجرجر مأساتها في صمت.

بقي هو وحيدا ، صامتا.

عندما انتهى من الفطور نهض وحبس نفسه في الحمّام ينظر في المرآة. بدأ يتفرّس في تجاعيد بشرته وفي شعره ، أو فيما ابيضّ منه ، مُجريا حسابا ذهنيّا صغيرا لعمره.  كم سنة عاشها وكم سنة بقيت له وفي أيّ ظروف سوف يعيشها...

لقد راعه مثل هذا الحساب.  أربعون سنة مرّت وكأنّها ما اخضرّت يوما ولا أزهرت ساعة !

نعم ، كان عليه أن يتزوّج. لكنّه بدلا من ذلك كان لا يزال عازبا وبطّالا. "يجب القيام بشيء ما" قال لنفسه. "لكن ماذا ؟"

عاد إلى غرفته وفتح دُرْجا وجعل يبحث في داخله. أخرج مذكّرة قديمة ووضع علامة على أحد العناوين.

لم يعد بإمكانه الذّهاب إلى المدينة ، لذلك اضطرّ قضاء أيّامه الطّويلة الفارغة على جدارحوش لمحلّ مهجور مقابل مقهى الحيّ  يتحدّث مع الأصدقاء أو يتملّى ذكريات إيطاليا والسّنوات الجميلة التي قضاها هناك.  كانوا يتحدّثون كثيرا ولكن الموضوع الّذي كانوا  يخوضون فيه أكثر هو فوضى الحياة في الجزائر ومرارتها  ، بعبارة أخرى الرّغبة في مغادرة البلاد نحو إيطاليا.

"عندما أفكّر في الأمر الآن" يكرّر لونيس لأصدقائه الّذين كانوا يموتون رغبة مثله في مغادرة البلاد "كنت في جنّة ! ولكن اللّه غالب ، هذا هو مصيري. لولا أمّي لما تركت تلك الجنّة".

بعضهم كانوا يحاولون مواساته مذكّرين أيّاه بفضيلة البرّ بالوالدين وخاصّة بالأمّ. والبعض الآخر خطّأه : كان عليه ، على الأقلّ ، إصلاح وضعه وترتيب أوضاعه. خاصّة وأنّ أمّه كانت قد فارقت الحياة. "ماذا جرى لك ؟" يقولون له معاتبين "عندما كانت على قيد الحياة ، كنت قد تخلّيت عنها. وعندما ماتت ، أردتَ أن تراها ! كِكانْ حَيْ يشتاق تمرة ، كِمَاتْ عَلْقُولُهْ عرجون."

كذلك كان الأصدقاء يقضون وقتهم في حين كان البعض منهم يحاولون كسب بعض المال والادّخار للسّفر المرغوب. والبعض الآخر ، بدون عمل وبدون براعة ، كانوا يكتفون بأحلام اليقظة ، كما حلمت سندريلا بأميرها السّحريّ.

كانوا يتبادلون المعلومات حول من كان يغادر وما إذا كان قد وصل إلى برّ الأمان، كم كانت التّكلفة وقبل كلّ شيء كيف كانت ظروف القوارب والمراكب.

من الواضح أنّه كان من المستحيل عليهم الذّهاب إلى إيطاليا بتأشيرة وبوثائق سليمة : ببساطة كان ذلك أمرا يتجاوز إمكانيّاتهم. لذلك لم يتبقّ لديهم أيّ خيار سوى الحرقة : أن يقتحموا البحر على متن زورق مطّاطي. في هذه الحالة ، على الأقلّ ، الحرّاق – صاحب الزّورق – سوف يسمح لهم أن يدفعوا الثّمن بالعملة الجزائريّة.

 

عبد الملك سماري

Article précédent Article suivant
Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article