Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog

BERBERICUS

Vues et vécus en Algérie et ailleurs. Forum où au cours des jours et du temps j'essaierai de donner quelque chose de moi en quelques mots qui, j'espère, seront modestes, justes et élégants dans la mesure du possible. Bienvenue donc à qui accède à cet espace et bienvenue à ses commentaires. Abdelmalek SMARI

« Spécial Novembre 54 » La présentation du roman de Madame Halima Malki.

 

Cher lecteur, puisque l'Algérie vient tout juste de fêter le 55° anniversaire de sa révolution, j'ai jugé utile de publier ici pour les lecteurs arabophones sous le titre « Spécial Novembre 54 » la présentation du roman de Madame Halima Malki.

Roman qui, selon mon humble point de vue, a essayé de faire de cette date phare dans l'histoire de l'Algérie moderne, la protagoniste principale de sa trame.

Bien sûr, le roman parle de l'Algérie, de Benbadis en premier lieu et de son rôle dans la sensibilisation et l'éducation au nationalisme d'une bonne part du peuple algérien, des symboles combattants et martyrs de mai 45, de Novembre 54, de la joie et des grandes espérances de l'indépendance, de la lutte de la femme en particulier et de la société algérienne en général pour leur émancipation, de la dérive des années 90, années de violence et de terrorisme et enfin du courage d'une autre partie de cette Algérie même, violente et violentée, de faire face à ce terrorisme; en s'inspirant de la révolution de Novembre pour le père du protagoniste, de l'art pour le protagoniste qui est artiste peintre, de sa cousine l'institutrice qui vise à l'instruction et à l'éducation de la nation... et enfin de la mère, métaphore de cette Algérie même, qui inspire et guide ses enfants dans leurs rêves et leurs actions, qui les couvre de joie et qui les console dans la douleur.
Il s'agit en somme d'une fresque racontée avec une langue élégante et sensuelle, avec des idées pertinentes et sans prétention ou pédantisme et surtout avec engagement et lucidité. N'est-ce pas ici le rôle de la littérature?

Pour ma part, je regrette seulement de ne pas avoir du temps pour traduire, au cher lecteur francophone, ce texte que j'ai écrit en arabe. Toutefois, s'il se trouve quelqu'un qui le fasse pour moi, en tant qu'auteur je l'autoriserai à le faire, avec ma révision bien sûr.

Smari Abdelmalek


 

وقفة جميلة عند الآهات اللّذيذة

أو قراءة في رواية الكاتبة الجزائريّة مالكي حليمة "من وحي الألم"

 

 

نبذة بيو - بيبليوغرافيّة :

  

حليمة مالكي ..من مواليد قسنطينة بالشرق الجزائري بدايتها الأولى فى الكتابة كانت قصّة قصيرة نالت الجائزة الوطنية في مسابقة القصّة القصيرة التي نظّمتها ولاية قسنطينة  احتفاءا بيوم العلم.. ثم تلتها جائزة أخرى لمسرحية  طويلة من90 ورقة..  

كل ذلك و حليمة لاتزال مراهقة آنذاك ...

صدرت للكاتبة رواية من وحي الألم عن وزارة الثقافة سنة 2007 وبنفس السّنة نالت جائزة بلدان البحر الأبيض المتوسط التى تمنحها اليونسكو وهي شهادة الاعتراف ...

كما أن للكاتبة رواية  جديدة ومسرحيّة ستصدران عن قريب إن شاء الله...

 

في الحبكة :

رواية عذبة الرّوح إذن ، سلسة اللّسان ، عبقة بريحان الإنسانيّة الحقّة والسّموّ الأخلاقي الفاضل وحبّ الوطن والغيرة على ثقافته وتاريخه وتقديس ثورته وإكرام أبنائه ...

أَعَدْتُ للمرّة الثّالثة قراءتها وسأُعيدُها حتّى أسجن جمالها وأشعارها؛ نعم ! لا مبالغة في ذلك ولا مراء لأنّك – عزيزي القارئ - ما أن تفتح الكتاب حتّى تقابلك قصيدة – كمدخل (؟) – تخبرك أنّه في إمكانك أن تشرب حتّى الثّمالة من كأس الشّعر والجمال والحبّ والفضائل ابتداءً من أوّل كلمة حتّى آخر هذه الرّواية الشّعريّة أو هذه الأشعار الرّوائيّة .

كلمات القصيدة المدخليّة كانت تقول لي أنّ اللّيل ظلماتُ عذابٍ وأنّ الغمّة المترتّبة عنها لا بدّ أن تنقشع وأنّ خيوطَ النّور عند السّحر مبدأُ الأمل وبعدَه دواء فشفاء فسلام للعيون المنتظرة وأنّ يقظة الفجر دَقّةٌ كصرخة الظّفر للقلوب الّتي – كادت - لكنّها لم تتكسّرأو تنهزم .

ظلام القرون غشي على أعيننا وقلوبنا حتّى جعل من "لابصرنا" ومن جهلنا وغبائنا لاوعيا بدائيّا، طفوليّا، أصليّا كالخطيئة الأولى . صرنا أشباه أطفال بَلادَةً وعُدنا ألاعيب بيد الأقدار القذرة وفرائس سائغة لمخالب الكبار الجارحة وأنيابهم الكاسرة ...

ثمّ ها هي تلك الخيوط الّتي مادّتها ذهب ووهجها حياة ونور توقظنا فتتفتّح عُيونُنا – يا للمفارقة! – على تلك الظّلمات ، ظلماتنا ؛ عندها تهتزّ لا محالة قلوبنا جَزعًا فنبادر إلى نشِّها ونسْفِها عسى يخلو لنا المدى جليّا بيّنا فنُنْبِت لنا أجنحةً ونرحل مع الكبار ونكبر وندفع الضّيم عنّا ...

عندها ، بعيدًا عن الخوف والملل ، يحلو لنا – ويحقّ – أن نَحِنَّ من جديد إلى دفء الأحلام ، إلى رحيق الكرامة ، إلى نور الحرّيّة ، إلى نشوة الظّفر، إلى براءة الأطفال (إذا كان للأطفال براءة) .

لقد وجدت في كتابة السّيّدة مالكي - الّتي أودعَتْها ثنايا روايتِها الجميلةِ هذه والكاملة (كمال إنسانيّتنا طبعا) – نشيدا إلى الوطن وإكراما لِمُحبّيه وللمُتيّمين به .

إنّها رغم التّكرار - أو بفضله (؟) جاءت رواية غِنائيّة ، بل أكاد أقول غِنائيّة محضة ، تحاكي أو تحكي بأمانةٍ وصدقٍ مقدارَ ذلك الحبّ العزيز اللّامتناهي الّتي ضمّنته كتابها .

قد تبدو الفقرة الّتي خصّصتها الكاتبة للمفكّر الجزائري "ابن باديس" لأوّل وهلة طويلةً بالنّسبة لقارئٍ دائما مشغول في حاجةٍ للوقت؛ ذلك أنّ حياة هذه الشّخصيّة الفذّة لم تَغرُبْ بعدُ عن أذهاننا ولم تفارقْ قلوبنا بل قد يتبادر لأذهاننا أنّنا لفي غنىً عن تلك النّتف الّتي يُعرّف بها مفكّرنا الكبير !

ولكن بمجرّد ما يمضي القارئ في اكتشاف أحداث الرّواية ومعرفة أبطالها وسبر معانيها حتّى تراه يعزُبُ عن ذلك الأمر ويستكين إلى تلك الرّوح الطّاهرة الّتي اتّخذتها الرّواية منارا تهتدي به و"ليتموتيف" ترتكز إليه شخصيّاتها وريحا عطرة تذكّر بأخلاقه ومُثُلِهِ ... وهل كانت حياة الرّجل سوى شعرا وشعورا وعلما وعملا وكرما وتضحيّة ؟

أمّا أنا فوددت في أوّل الأمرِ لَوْ تُقدم الكاتبة على تخفيف تلك الفقرات كأن تُقطَعَ منها مثلا الأسطر الّتي صارت ثقافة عامّة لدى الجزائريّين ... غير أنّني ما لبثتُ أن فطنتُ إلى أنّ الرّواية لم تُكتبْ لجيلِنا هذا ولا للجزائريّبن فقطْ ...

إنّ تفكيرًا كهذا يعني أنّنا ضربنا بعرض الحائط طموح الرّواية الّتي من طبيعتها التّطلّع إلى ما وراء جيلها ؛ فَعُمرُها ليس يقاس بعُمر الفردِ حتّى ولو كان عُمّرَ مائة عام .

ثمّ إنّ تفكيرًا كهذا يعني أنّنا دُسنا بأقدامنا حساسيّة الكاتبة الغيورة على لغة ابن باديس وأهلها ومن تشرّفوا بها منذ نشأتِها إلى يوم اندثارها ؛ وما ذلك اليوم بقريب مادام بنو العربيّة وبناتها يحبّونها ويحيونها فتحيا بهم وتفوز على بلاء السّنين ومكائد الأعداء ...

لكن أعود وأقول إنّني أجد تلك الفقرات ، نسبةً إلى انسياب السّرد وسلاسة الكلمات الّتي تطبع النّصّ ، أجدها ثقيلة بعض الشّيء لتثاقلها وعلى هذا أقترح أن تفرّق أخبار ذلك الحبر العزيز على طول الرّواية وعرضها حتّى تزداد قراءة القارئ انسيابًا .

لقد استطاعت السّيّدة مالكي أن تدبّج روايتها ليس فقط بكلماتها اللّطيفة المنتقاة حسب الظّروف والمقامات ولكن أيضا بالمعاني الّتي حمّلتها هذه الكلمات وبالأحاسيس النّبيلة الّتي ترأّسَها الحبّ ، طبعا .

حبّ الوطن أوّلا لأنّه لدى الكاتبة رأس تلك الفضائل ثمّ بعد ذلك حبّ الحقائق الحقّة للتّاريخ الّتي عرّفتنا بها ثورتنا الأبيّة وعرّفنا بها رجالاتها الكرام الأبرار؛ حقائق – يا للأسف - ما كدنا نعرفها حتّى نسيناها بل نكرناها !

ثمّ إنّ الكاتبة ليست تثير الإعجاب من هذه النّاحية وحسب بل إنّها تفرض الاحترام والاعتراف بقدرتها الخارقة من حيث أنّها استطاعت أن تمزج بشطارة وفلاح قصّة حياة فرد أو فردين (خضير وأبوه) بتاريخ أمّة أو وطن (حسب تعريف الجزائر) على مستوى أجيال ومن خلال ظلمات البغي والاستدمار (كما علّمنا مولود قاسم أن نقول) والاهتبال والإرهاب ومن خلال وجوب الأمل والعمل والتّضحيّات حتّى الفوز بفرحة إحدى الحسنيين أو كليهما : فرحة الظّفر وفرحة الشّهادة .

وهذا إن تأتّى لها فإنّما هو دليل على الجهد الكبير الّتي بذلته لِكِتابة هذه الرّواية ، كما هو دليل كذلك على الكرم الّذي يملأ قلبها الكبير وعلى بركة حبّها لوطنها ولمن أحبّ وطنها .

قد يكون لهذا الكتاب شأن – وإنّ له لشأن! – يوم أن تعود شمس الحرّيّة والإباء لتبزغ من جديد على تجاويف قلوب الجزائريّين (الّذين غلبت عليهم أغراض السّفاهة والبلادة ففقدوانخوة الحِلم وحرارة الكرامة ونور البصيرة وسعة الأحلام والأمل) فتنشرها بعد موتها وتدخل عليها دفء السّعادة بالوجود والحياة وتبدّد عنها ظلمات النّكسات والجهل والأنانيّة العمشاء والغفلة التّاريخيّة المجرمة الفاجرة .

 

في عناوين فصول الرّواية :

في إمكان القارئ أن يتتبّع ترتيب العناوين ، بعد فراغه من القراءة ، ليكتشف هندسة أحداث الرّواية واتجاهها وتشكّلها ؛ وكذلك يمكنه أن يعيد القراءة بغير جهد ولا كبير عناء ...

في البدء كانت الذّاكرة بل اكتشافها بل "رعب الذّاكرة" الّذي يرثه المرء - ويبدو له جليّا كخطّ الشّفق عند بزوغ شمس النّهار - خلال السّنين والأحقاب بعذاباته ومعاناته ومحاولاته وإحباطاته ويأساته وغروره واستسلاماته أو انتصاراته ...

نحن هنا أمام ثابت تاريخيّ يقضي بأنّ لحياة المرء رصيد من البلاء والغفلة والهوان وآخر من رغد العيش والانتشاء بالحياة الكريمة ؛

ثابت يقضي بأنّ لهذا الرصيد بخيره وشرّه ذاكرة وأنّ للذّاكرة حساب تصفّيه مع عاديات الدّهر وجور السّلطان وتعدّي النّاس والأمم بعضهم على بعض .

عند الوعي بالألم والتّاريخ تنفجر الذّاكرة "ثورة" فوّارة ، هدّامة ، بنّاءة . فنراها حربا ودمارا على الأمّة أو الأمم الظّالمة ونراها على مستوى الفرد الأعزل (الطّفل في الرّواية) "انتفاضة بريئة" وانعتاقًا بعد ضيم وهُدًى بعد تيه وحياةً مسؤولة قائمة على نفسها بعد شحادة الطّفولة وتطفّل الصّبا . ولكن في كلّ الأحوال نراها تحدّيًا خلاّقا وفرضًا مسؤولا لإرادة الإنسان على شرطه تستجيب له الأقدار مغلوبةً مُستكينة .

أمّا البراءة فهي لمن يقوم بالذّود عن عرضه ودمه وماله ؛ على كرامته وكرامة أمّته بالمعنى العصريّ . أن تكون الثّورة تحاكي أو تستدعي فورا - في زمن الرّواية – ثورة أخرى لكن بريئة (الانتفاضة) فما أظنّ ذلك إلاّ لأنّ لاشعور الكاتبة ( دائم الإحساس !) أراد أن يُسقِط تلك البراءة على تلك الثّورة المشروعة والواجبة لأنّ فيها خلاص أمّة بلغاتها وبدينها وبكرامتها وبسكّانها .

أن يثور الطّفل على ولده فذاك مشروع وواجب و إذن بريء ؛ غير أنّ ثورته ليست من ضيم أو على ضيم – لأنّ قيده ليس بقيد وإنّما "هو الخوف عليه" - ولكن هي ثورة لاتعدو على أن تكون نوعا من عمليّة طويلة خِتمتُها وهدفُها نبيلان : قطع الصّرّة السّيكولوجيّة الّتي لابدّ وأن تقطع كي يتمكّن الأبناء من الولوج إلى عالم الكبار والحياة المسؤولة وحياة الاعتماد على النّفس واختبار العيش والتّمتّع بلذّاته وإثرائه وإعماره ...

بعد جهد الثورة وصخبها ها نحن أمام "ياقوت" (اسم على مسمّى لمن يعرف طبيعة الياقوت وجِدّه ومثابرته في ظلمات البحر حتّى يجعل من الحصاة التّافهة لؤلؤة وحجارة كريمة) .

ياقوت عنوان العمل الدّؤوب الّذي يعيد اتّزان العمل الثّوري فيهذّبه ويكيّفه لحياة البناء البحت بعد دمار الثّورة البنّاء الخلاّق ... ذلك العمل نفسه هو الّذي يهدّئ روع الولدان خلال انتفاضتهم فتراهم يعودون إلى مجاريهم كالسّيول الجارفة الغاضبة الفوّارة الّتي لا يهدأ لها نفَس حتّى تبلغ السّهولَ حيث مرجاها ومرادها ...

ثمّ ها هي الحياة تهدأ وها هم النّاس يعودون لشؤون عيشهم فيتنقّلون بين مدنهم وقراهم وها هي البلاد كبرت وبلغت الرّشد وصار لها عاصمة - "العاصمة" - يعني دولة واستقلال ...

غير أنّ الدّهر سرعان ما يسترجع غلبته وسطوته على الإنسان المغرور بقوّته الضّعيفة المتهلهلة فيغمره كما يغمر "الطّوفان" الأمداء والمنشآت والجبال الرّاسيات ... وأيّ طوفان يضاهي بشناعته وفضاعة عنفه ذلك الاهتبال والانتحار الحضاريّ الّلذيْنِ أقبل عليهما فئة من شبّان الجزائر البلهاء المغرورين المُتَمَلْئِكِين (نصبوا أنفسهم ملائكة لا يخطئون ولا يفعلون شيئا إلاّ بأمر من الرّحمان الّذي لا يأمر إلاّ بالحقّ ) فجعلوا تلك الفاتنة الكريمة البريئة فريسة شمطاء بل غولة تأكل بنيها وتهوي بهم في قيعان الفقر والذّلّ والجهل والعدوان ؛ رذائل أقبح من الشّرك باللّه ومن الخطيئة الأولى نفسها ومن تيه بني إسرائيل وهوان المعذّبين في الأرض ... غافلين - هم أولادها - ومتناسين أنّما " الحياة هذه ( ولِمَ لا تكون الجزائر الفتيّة نفسها ؟ بل الصّبيّة ؟ ) سوى فراشة ضعيفة تهفو إلى النّور لتحترق بالنّار!" ...

ثمّ من عسى أن تكون "جهينة" تلك ؟ قد تكون مثالا حميما لطموح الكاتبة نفسها الّتي كم تودّ أن يَعلَمَ بنو جلدتها ما عَلِمتْه هي من ضرورة الإقبال على الحبّ – حبّ الوطن - والإيمان بالحقّ والضّمير والمعرفة والجمال والأدب والحرّيّة والتّضامن وروح الفدا والكرامة .

"جهينة" قد تكون كذلك رمزا لشباب تلك الحسناء الغضّ ورمزا لنضارة تلك الفاتنة - فاتنة الكاتبة نفسها - للجزائر .

"جهينة" قد تكون كذلك عنوانا على إعادة استتباب الأمور في الجزائر وتراجع مياه الطّوفان المجرم الجامح الّذي كاد يغرقها مرّة أخرى ويأسرها إلى الأبد في غياهب الأفول بل الموت التّاريخي .

"جهينة" - أخيرا وليس آخر شيء – تفيدنا بأنّه لا مجال للنّعيق الأحمق الأكذب ولا ضرورة للبكاء على ما فعل الدّهرُ بنا والأعداءُ وعلى ما فَعلْنا بعقولِنا وضمائرِنا ولا جدوى من الشّكوى ممّا قدّمت أيدينا . كما أنّه لا مجال للكسل أو التّقهقر أو القنوط لأنّنا دائما أغنياء بالحياة نفسها ! وأيّ شيء أثمن من الحياة ؟ وإذن فإن أردنا الإحسان فمنها نُنفِقُ وبها نُعينُ ونُغيثُ ونَتقاربُ ونَتحابُّ فنَقْشَعُ عنّا غيومَ الظّلم والأحقاد والجهل والرّداءة ...

وذاك ما تصدّت له جهينة حين راحت تنهج التّعليم كطريق للخلاص ؛ فكأنّنا بها تقول لنا : هبّوا وتعلّموا من الصعوبات ! ألا إنّ للألم وحي هو الأمل ! وأيّ وحي كوحي الأمل ؟

 

في اللّغة :

إنّ لغة الرّواية للغة جميلة حيّة حتّى صارت مثيرة لبعض الشّكّ والرّدّة : ألأنّها لغة غنيّة فغدت غريبة حتّى بين أهلها فتفيض عليهم بمعانيها وتتعدّى أفهامهم وتتحدّاهم فينظروا إليها بغيظ واستنكاف أو بإعجاب واستغراب ؟

أم لأنّها كذلك وإذن لم تَعُدْ من عصرنا لاحول ولا قوّة لها سوى جلب فضولنا كقعقعات فارغة لأواني فارغة لم تلبث جذوتها أن تنطفئ فتعود ظلمات اللّافهم لِتُسيْطِرَ على القارئ ؟

قد يعشق المرء إلى درجة الوجَدِ ما يكتبه من كلمات وما يحسّه من عواطف وما يودّ التّعبير عنه من خلجات نفسه ؛ تراه لايكتفي بنثر الكلام نثرا فيلجأ إلى الشّعر مضطرّا مغلوبا على أمره حتّى يقضي فيه رغبته ثمّ يعود ثانية إلى النّثر فمرّة أخرى إلى الشّعر وهكذا حتّى يبلغ مناه ولكن إلى حين ... أو هذا ما يُستشفّ من مخطوط رواية السّيّدة مالكي ...

كما قد يكون للقارئ المتمعّن من عاشقي الجمال والعبقريّة حال غريبة تشبه حال من يتمعّن في بنيانٍ قد استوى على عمده بغرفه ، بأثاثه ومفروشاته ، بشرفاته وزخارفه ، بحدائقه وعيونه ، بعنفوانه ، بتمامه ، بأنواره ، بجماله ... فيقول :

" ماذا لو علّقنا لوحة بدل هذه الّتي أرى ؟ ماذا لو أضفنا زخرفة ههنا وهناك نوعا من الزّهر أو شيئا من النّور أو الحور ؟ ماذا لو عزّزنا ذاك العمود بآخر أو زيّنّا تلك الشّرفة بعلم (علم الوطن الحبيب مثلا) ؟ "

أمّا القارئ السّطحيّ السّاذج أو الحاسد الباغض فتراه ينكر ما يرى أو يحطّ من شأن البناية وجهد الباني وعبقريّته أو يتمنّى هدمه بزعم إعادة بنائه صرحا آخر أعزّ وأفخر !

ذلك أنّ الفرق بين النّقد والقرض لطيف كحدّ السّيف وأنّنا - معشر "المثقّفين الفاقهين" - كثيرا ما نتعدّى ذلك الحدّ – عن جهل ، عن غفلة ، عن غرور أو عن حسد – فترانا نقرض البنيان العزيز الجميل ونثني على البنيان الهاري البليد !

خلال قراءتي للأشعار المنثورة هنا وهناك بين طيّات الكتاب ، حدث لي أن فكّرت في أنّ مزج النّوعين (الشّعر والنّثر) قد يجعل القراءة ثقيلة وارتأيت أن أقترح تخفيفها بفصل النّوعين أحده عن الآخر فَيُفرَدُ للأوّل ديوانٌ أومجموعةُ شعرٍ ويحتفظُ الثّاني بنثره لأنّ ذلك لايزيد النّوعين إلاّ سلاسة وصفاء وتألّقا .

حدث لي أن فكّرت كذلك في أنّ إقحام الشّعر على النّثر بتلك الكمّيّة وتلك الشّدّة زاد في تهجين أسلوب الرّواية وبعثرة أفكارها ومعانيها . وإذن زيادة على الكلمات الغريبة أضاف ذلك التّعسُّفُ الشّعريُّ إلى الرّوايةِ غرابةً هي في غنى عنها .

 

حسّية :

إنّ براعة الكاتب تكمن في قدرته على مقاومة الوصف السّريع السّطحيّ . الوصف الّذي يلجأ إلى استعمال كلمات نِيئة مُشِينة ينبذها الذّوق والحسّ لأنّها لم تنضجها التّجارب ومخابرة الحياة ولم تطهها نار النّقد والمعرفة ولم تهذّبها الأخلاق الفاضلة ولم تعرف الضّمير ...

إنّ الوصف الّذي يبلغ مراده ويفوز بشيء من الأُلفة والذّكاء هو ذلك الّذي يكتفي بالإشارة (العبد يُقرَعُ بالعصا – يقول المتنبّي – والحرّ تكفيه الإشارة) ... هو ذلك الوصف الّذي يوصل إلى المدارِكِ الإحساسَ بالشّيء وليس الشّيءَ ذاتَه . ثمّ إنّه إذا كان فعلاً يعنينا الشّيء بذاته فإنّ حواسّنا لكفيلة بأن تغنينا عن أيّ كلمة !

هذه هي الآليّة الّتي تجعل من بعض نظراتنا أو ذكرياتنا أو آهاتنا فنّا خالصًا ولذّةً للفكر والرّوح والحواسّ . لقد استفاد – من بين كُثْرٍ – علم الإشهار من هذه القاعدة الثّابتة في نفسيّة الإنسان فها هو ذلك العلم يحقّق من استغلالها الأرباح الوفيرة والّتي تقدّر بمليارات وميليارات من الدّولارات سنويا ! وما أرى تجارته كاسدة لا عن قريب ولا عن بعيد ...

بفضل حسن استعمالها للإشارة استطاعت الكاتبة بذلك أن تدبّج أسلوب روايتها بحسّيّة ناعمة لذيذة مُسكِرة فغدا سعيرا عذبا جميلا وألما لذيذا . وما هذا بعزيز عليها : أليست هي نفسها القائلة " والشّيء العزيز المفقود يلقي دوما بظلاله على ما دونه " ؟

ولكن هل هي حسّيّة واعية بنفسها أم هي نشوة إيروتيّة أم هو ليس إلاّ تغنّ عفيف بجمال الحياة الّتي لا تقبل الموت الجبان فتُضرمُ في كياناتنا الثّورة تلو الثّورة حتّى لا نسهى و حتّى " نحيا لننطلق نحو الأسمى والأنبل ولأرسخ والأحقّ ..."

كلّما أعدت فتح هذا الكتاب وأعدت قراءة أشعاره ، كلّما ازددت قناعة بأنّ الرّوايةَ روايتان بل روايةٌ في شكلين : أحدهما نثر والآخر شعر .

أقول هذا وأنا مبهور ومهزوم أمام النّصّ بشخصيّته الغريبة القويّة هذه . أعترف بأنّي لست قادرا على فكّ ربط ما هو شعر ممّا هو نثر ! كلّما غابت عنّي الشّعريّة رأيتَني أبحث عنها فأجدها من غير عناء وفي أَنثَرِ كلمة أوجملة أو فقرة .

وما ذلك بعجيب لأنّ الكاتبة برهنت على أنّها متمكّنة من لغتها العربيّة المحبوبة. كما أنّها متمكّنة من أفكارها وصادقة في أحاسيسها وقادرة جريئة على التّعبيرعنها ببساطة لا تتهيّأ إلاّ لمن دأب على الجدّ والعمل والنّصيحة الخالصة .

 

ذلك الفنّان :

من ذلك الفنّان الّذي هيّأتْهُ الكاتبةُ وعيًا وهو بعد في المهد وأفعمته إحساسًا وشعرًا وهو صبي وإيمانًا وإبداعًا وهو يافع وربّعته ملِكًا على عرش الكمال الإنسانيّ والمسؤوليّة الحرّة الواعية أمام البارئ والضّمير ؟

من ذلك الفتى الّذي قدّمته لنا الكاتبة قيّومًا على الإنسانيّة النّبيلة الّتي لا وطن لها سوى القلوب الحسّاسة والخواطر الرّيّانة واليد القويّة السّخيّة والحقّ المبين الصّارم و الإيمان السّمح الرّقيق ؟

أهو صورة حيّة أم انبعاث روحِ من أحبّ الجزائر فأعاد بناءها سعيًا وكدّا ، ورغبًا ورهبًا ... روح البارّ " ابن باديس " الّذي عرف قيمة وطنه وتأكّد من يُتمِ جماله وعزّة حبّه له ولأهله ؟

هذه هي الرّسالة - على ما يبدو - الّتي يريد بطل رواية حليمة مالكي أن يُقرئنا أيّاها ؛ وكأنّي به (البطل) يقول للجزائريّ الّذي أهبلته سنون الجنون التّسعينيّة فأذهبت عقله وسفّهت أحلامه وهدّت كرامته :

" ألا أخي ، هلاّ فقت من سهادك حتّى تعرف أنّ الغيرة على الوطن ليس لها إلاّ وجه الورع فقط وإذن لايستطيع بلوغه إلاّ "ابن باديس" وأمثاله ، ولا لها فقط وجه التّضحيّة بالنّفس وإذن لا يشرب من كأسها سوى "بلّمهيدي" وإخوانه في الشّهادة والفدا ، ولا لها وجه الماضي وحسب وإذن لم يبق لمن تبقّى سوى خيبة اليأس ونعاس التّكاسل !

كلاّ يا ابن أمّنا ؛ إنّ هذه الخصال الملائكيّة لم تتأتّى لسلفناالقريب هذا - أبناء نوفمبر ومن حضّر لنوفمبر وفجّره – إلاّ لأنّ الظّروف التّاريخيّة كانت عصيبة فعصيتْ - لتثبت على البلاء العظيم - أنفسُ أولئك الفراقدِ من الرّهبان الأحبار والفرسان الأباة والشّهداء الأبرار !

كلاّ يا أخي : إنّ لِحبّ الوطن لَوُجوه كثيرةٌ كثرةَ مُحبّي هذا الوطن ؛ لكلٍّ اعتبارٌ ومنهاجٌ ولكن ما يوحّدنا هو صدق النّيّة وصدق العمل ووحدة الوجهة .

انظر مثلا إلى "محمّد" كيف كان مواطنا مخلصا من غير أن يبلغ فقه "ابن باديس" ولا صلابة "بلّمهيدي" وسخاء روحه . لقد أنشأ محمّد هذا عائلةً وأقامها على حبّ الفضائل والتّخلّق بها !

ثمّ انظر ابنَه الّذي وصل إلى حدّ عقوق والده فيتعاطى الرّسمَ (الّذي لم يكن في أصول تلك الأسرة أن تحترفه) لا لشيء إلاّ ليرسمَ عَلَمَ الجزائر وهو بعدُ طفلٌ ويوزّعَهُ على أهله ... !

وانظر بعد هذا أو قبله إلى "ياقوت" الصّبور كيف علّمت أبناءها رقّة الاحترام و حبّ الفضائل الوهّاج والصّبر على المحن والمثابرة على العمل حتّى النّجاح والظفر بالحياة الكريمة !

وها هي "جهين" مثال آخر عزيز ، واجبٌ علينا الاحتذاء به ؛ جهين الّتي لم تجعل معنى حياتها يتوقّف على اكتناز الذّهب والفضّة وانتظار فارسٍ لأحلامها ما يلبث أن ينقلب عليها وحشا ضاريا .

كلاّ ! إنّما وعت بأنّ الحياة حياة الفكر والأدب فراحت إذن تلتمس طريقا لتعليم أبناءِ وطنها حياةَ المبادئ تلك الّتي لا جرم وأنّها مورد السّعادة ومنتهاها ؛ من طلبها وجدّ في طلبها أتته الحياة مذعنة لأمره ... وتلك نفحة من روح اللّه الّذي أتته السّموات والأرض طائعيْنِ !"

 

مجمل القول :

كأنّي بهذه الرّواية تقول لأبناء جلدة الكاتبة قليلي الغيرة على أرضهم وبالتّالي على أنفسهم : " قوموا واعملوا لأنفسكم فذاك في نفسه عمل برّ وقربان للّه وللجزائر وأنّ هذه سوف تكيل لكم سَعيَكُم شكرًا ونعيمًا ما دامت الأرض أرضا .

ولَسوف تخبّئ ذكراكم في فردوس يشبه قلبها حتّى أنّ كلّ مَن جاء بعدَكم – وما أنتم بخالدين – وجدكم عند ذاك القلب الرّحيم ، في ذلك اللّوح الأمين العارف بالجميل ، الشاكر لسعيكم خير شكر ، المُصَلِّي على أرواحكم ...

ذلك أنّ في حبّ الوطن حبًّا لترابِ الوطن وفي حبِّ هذا حبًّا للحياة ومحافظة عليها إذن وعلى حياتنا كما يعلّمنا علم البيئة الحديث إذا كنتم تعقلون ! "

إنّ الجزائريّين محكوم عليهم بالتّعلّم والعمل ليل نهار إذا أرادوا الفوز بقبس من تلك الجذوة القدسيّة ، جذوة الحرّيّة والكرامة . هكذا فقط يتاتّى لهم أن يبلغوا كرامة العيش والوعي بالذّات ، بالتّاريخ ، بالغير ، بالعالم أجمع ...

وهكذا فقط يحيا فيهم الضّمير الّذي يزيّن حبّهم للوطن وللملّة الّتي بها يدينون وهنالك يستطيعون إنتاج مأكلهم وملبسهم وإبداع فرحهم وحكمتهم والمساهمة في دفع عجلة التّطوّر الإنسانيّ وتطوّر العلوم والآداب .

 

ملاحظة :

إنّ إطرائي على هذا الكتاب لا يعني أنّه يخلو من بعض العثرات – الكمال للّه - : هناك أخطاء مطبعيّة تُشين بكثرتها رونق اللّغة وهناك أخرى تخصّ الشّكل والتّنقيط والتّرقيم – للأسف ! – والّتي قد لا يكاد يخلو منها أيّ مخطوط عربيّ من الصّحافة اليوميّة إلى مختلف الدّوريّات والكتب ... وثالثا هناك أخطاء - ناذرة في هذا الكتاب ، لحسن الحظّ - تخصّ الكليشيهات الثّقافيّة الّتي ترجع إلى غياب النّقد الصّارم المنهجيّ في ثقافتنا العامّة .

سوف أبعث للمؤلّفة قائمة هذه الأخطاء الإملائيّة متمنّيًا أن تُبلغ النّاشر لعلّه يصلحها في طبعات مقبلة .

أمّا فيما يتعلّق بمُعضلة الشّكل والتّنقيط والتّرقيم فسوف تكون موضوعَ مقالٍ آتٍ .

أخيرًا سأسوق مثالا في ما يخصّ الكليشيهات حتّى يتبيّن للقارئ ما أعني : إنّه لمن الخطإ عدم التّفريق بين فرنسا الاستدمار وفرنسا حقوق الإنسان فنقول "ظلمًا" العدوّ الفرنسيّ !!

 

بقلم : عبدالملك سماري (كاتب مقيم بإيطاليا)

 

"من وحي الألم" لصاحبتها " مالكي حليمة " - دار نشر Enag Editions – الجزائر – 2007 - (283 صفحة) – الّثمن 550 د.ج .

 

 

Article précédent Article suivant
Retour à l'accueil

Partager cet article

Repost 0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article